السيد هاشم البحراني
315
البرهان في تفسير القرآن
سارة بنت هاراز بن ناخور « 1 » ، وكانت قد آمنت به حين جعل الله عليه النار بردا وسلاما ، فأوحى الله إليه : أن تزوج بها يا إبراهيم - قال - فتزوج بها ، فجاؤوا على صورة البشر ، المعتجرين « 2 » بالعمائم ، وكان إبراهيم ( عليه السلام ) لا يأكل إلا مع الضيف - قال - فانقطعت الأضياف عنه ثلاثة أيام ، فلما كان بعد ذلك ، قال : يا سارة ، قومي واعملي شيئا من الطعام ، فلعلي أخرج عسى أن ألقى ضيفا . فقامت لذلك ، وخرج إبراهيم ( عليه السلام ) في طلب الضيف ، فلم يجد ضيفا ، فقعد في داره يقرأ الصحف المنزلة عليه ، فلم يشعر إلا والملائكة قد دخلوا عليه مفاجأة على خيلهم في زينتهم ، فوقفوا بين يديه ، ففزع من مفاجأتهم ، حتى قالوا : سلاما ، فسكن خوفه ، فذلك معنى قوله تعالى : لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً ) * « 3 » ، وقال تعالى في آية أخرى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْه فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ « 4 » ، لأنه لا يعرف صورهم ، فرحب بهم ، وأمرهم بالجلوس ، ودخل على سارة ، وقال لها : قد نزل عندنا أربعة أضياف حسان الوجوه واللباس ، وقد دخلوا وسلموا علي بسلام الأبرار ، فقال لها : وحاجتي إليك أن تقومي وتخدميهم . فقالت : عهدي بك يا إبراهيم وأنت أغير الناس . فقال : هو كما تقولين ، غير أن هؤلاء أعزاء خيار . ثم عمد إبراهيم إلى عجل سمين فذبحه ، ونظفه ، وعمد إلى التنور فسجره ، فوضع العجل في التنور حتى اشتوى ، وذلك معنى قوله تعالى : فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) * « 5 » ، والحنيذ الذي يشوى في الحفرة ، وقد انتهى خبزه ونضاجته ، فوضع إبراهيم العجل على الخوان ، ووضع الخبز من حوله ، وقدمه إليهم ، ووقفت سارة عليهم تخدمهم ، وإبراهيم يأكل ولا ينظر إليهم ، فلما رأت سارة ذلك منهم ، قالت : يا إبراهيم ، إن أضيافك هؤلاء لا يأكلون شيئا . فقال لهم إبراهيم ( عليه السلام ) : ألا تأكلون ؟ وداخله الخوف من ذلك ، وذلك معنى قوله تعالى : فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْه نَكِرَهُمْ وأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً « 6 » ، أي أضمر منهم خوفا . ثم قال إبراهيم ( عليه السلام ) : لو علمت أنكم ما تأكلون ما قطعنا العجل عن البقرة . فمد جبرئيل يده نحو العجل ، وقال : قم بإذن الله تعالى . فقام وأقبل نحو البقرة حتى التقم ضرعها ، فعند ذلك اشتد خوف إبراهيم ( عليه السلام ) ، وقال : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ قالَ ومَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّه إِلَّا الضَّالُّونَ ) * « 7 » - قال - وكانت سارة قائمة فلما سمعت ، قالت : أوه « 8 » . وهي الصرة التي قال الله تعالى :
--> ( 1 ) في « ج » : فاخور . ( 2 ) الاعتجار : لف العمامة على الرأس . « الصحاح - عجر - 2 : 737 » . ( 3 ) هود 11 : 69 . ( 4 ) هود 11 : 69 . ( 5 ) الذاريات 51 : 24 و 25 . ( 6 ) هود 11 : 70 . ( 7 ) الحجر 15 : 52 - 56 . ( 8 ) أود : كلمة معناها التحزن . « لسان العرب - أوه - 13 : 472 » .